الشريف المرتضى

172

تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل )

وينوب عنه شرط آخر يجري مجراه ، ولا يخرج من أن يكون شرطا ، ألا ترى أن قوله تعالى : وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ « 1 » إنّما منع من قبول الشاهد الواحد حتّى ينضمّ إليه الآخر ، فانضمام الثاني إلى الأوّل شرط في القبول ، ثمّ يعلم أنّ ضمّ امرأتين إلى الشاهد الأوّل يقوم مقام الثاني ، ثمّ يعلم بدليل أنّ ضمّ اليمين إلى الشاهد الواحد يقوم مقام الثاني ، فنيابة بعض الشروط عن بعض أكثر من أن يحصى . والصحيح أنّ الحكم إذا علّق بغاية أو عدد ، فإنّه لا يدلّ بنفسه على أنّ ما عداه بخلافه ؛ لأنّا إنّما نعلم أن ما زاد على الثمانين في حد القاذف لا يجوز ؛ لأنّ ما زاد على ذلك محظور بالعقل ، فإذا وردت العبادة بعدد مخصوص خرجنا عن الحظر بدلالة ، وبقينا فيما زاد على ذلك العدد على حكم الأصل ، وهو الحظر وكذلك إذا قال الرجل لغلامه : « اعط زيدا مائة درهم » فإنّا نعلم حظر الزائد على المذكور بالأصل . ولو قال : « أعطيت فلانا مائة درهم » ؛ لم يدلّ لفظا ولا عقلا على أنّه لم يعطه أكثر من ذلك . فأمّا تعليق الحكم بغاية فإنّما يدلّ على ثبوته إلى تلك الغاية ، وما بعدها يعلم انتفاؤه أو إثباته بدليل . وإنّما علمنا في قوله : وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ « 2 » ، وقوله تعالى : ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ « 3 » ، وقوله سبحانه : حَتَّى يَطْهُرْنَ « 4 » أن ما بعد الغاية بخلافها بدليل ، وما يعلم بدليل غير ما يدلّ اللفظ عليه ، كما نعلم أنّ ما عدا السائمة بخلافها في الزكاة ، وإنّما علمناه بدليل . ومن فرق بين تعليق الحكم بصفة وبين تعليقه بغاية ليس معه إلّا الدعوى ، وهو كالمناقض ، لفرقه بين أمرين لا فرق بينهما . فإذا قال : فأيّ معنى لقوله تعالى : ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ إذا كان ما بعد اللّيل يجوز ان يكون فيه الصوم .

--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآية : 282 . ( 2 ) سورة البقرة ، الآية : 187 . ( 3 ) سورة البقرة ، الآية : 187 . ( 4 ) سورة البقرة ، الآية : 222 .